السيد علي الطباطبائي

392

رياض المسائل ( ط . ق )

من متأخري المتأخرين جماعة والفرق بينه وبين الملكة احتياجها إلى المعاشرة الباطنية مدة مديدة يحصل فيها الاطلاع على السريرة ولو في الجملة دون حسن الظاهر للاكتفاء فيه بالمعاشرة الظاهرة من نحو ما مر في جملة من الروايات المتقدمة من مثل رؤيته مواظبا على الصلوات الخمس في جماعة كما في الصحيح منها أو معاملته مع الناس فلم يظلمهم وإخبارهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كما في جملة عديدة منها وهذا أوفق بما هو الظاهر من حال السلف والمنقول عنهم وبدونه لا يكاد ينتظم الأحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة والقاضي المنفذ إليها من بلاد بعيدة وهو في غاية من القوة إلا أن الاحتياط في المصير إلى الأول البتة هذا مع أن الذي يقتضيه التدبر في حسن الظاهر المستفاد من الأخبار عدم منافاته للقول بالملكة من حيث التعبير عنه في الصحيح منها برؤيته مواظبا على الصلوات الخمس ومعروفيته بالستر والعفاف وكف البطن والفرج عن المحرمات وهما سيما الثاني تتوقفان على نوع معاشرة واختبار مطلع على باطن الأحوال وذلك فإنه لا يقال فلان معروف بالشجاعة مثلا إلا بعد أن يعرف حاله في ميدان القتال ومناضلة الأبطال فإذا كان ممن يقتل الرجال ولا يتولى الدبر في موضع النضال ويقاوم الشجعان ويصادم الفرسان صح وصفه بالشجاعة وأنه معروف بها وكذلك فيما نحن فيه لا يقال فلان معروف بالكف عن الحرام إلا بعد اختباره بالمعاملات والمحاورات الجارية بين الناس كما لو وقع في يده أمانة أو تجارة أو نحو ذلك وجرى بينه وبين غيره خصومة أو نزاع فإن كان ممن لا يتعدى في ذلك الحدود الشرعية فهو العادل وإلا فغيره وأما من لم يحصل الاطلاع على باطن أحواله وإن رأى مواظبا على الصلوات والتدريس والتدريس ونحو ذلك فهو من قبيل مجهول الحال لا يصدق أنه يعرف بالاجتناب عن المحرمات بل يحتمل أن يكون كذلك وأن لا يكون وأظهر من هذه الصحيحة الأخبار الأخيرة المعبرة عنه بمعاملته مع الناس فلم يظلمهم إلى آخر الأمور المعدودة فيها وهي لا تقصر عن المعاشرة الباطنية بل لعلها عينها كما يظهر من المسالك حيث قال يعتبر في المزكي أن يكون خبيرا بباطن من يعدله إما بصحبة أو جوار أو معاملة ونحوه ونحوها باقي الأخبار الدالة على اعتبار الخير والصلاح في العادل إذ مقتضاها اعتبار العلم بوجودهما في نفس الأمر كما مضى ولا يحصل إلا بالخبرة الباطنية ونحو هذه الأخبار كلمة القدماء المعبر عنه بالمعروف بالدين والورع كما في كلام المفيد أو بالستر والعفاف إلى آخر ما في الصحيحة كما في كلام النهاية أو بحصوله على ظاهر الإيمان والستر والعفاف واجتناب القبائح أجمع ونفي التهمة والظنة والحسد والعداوة كما في كلام القاضي ونحوه كلام الحلبي بل وأظهر حيث اعتبر ثبوته على هذه الصفات إلا حصوله على ظاهرها ومعرفة ثبوته عليها لا تحصل إلا بالمعاشرة الباطنية كما عرفته وليس في اعتبار القاضي الظهور دون الثبوت منافاة لذلك لأن الظاهر أن مقصوده من التعبير به التنبيه على عدم إمكان العلم بالثبوت في نفس الأمر لأنه من خصائص اللَّه تعالى سبحانه لا أنه لا يحتاج إلى المعاشرة الباطنية كيف لا وظهور اجتناب المحرمات لا يحصل إلا برؤيته متمكنا منها فاجتنب عنها كأن عومل فاجتنب الكذب والظلم وائتمن فرد الأمانة ووعد فوفى ونحو ذلك فإنه إذا رأى كذلك صدق ظهور اجتنابه الكبائر لا أنه إذا رأى في الظاهر مجتنبا عنها مع عدم العلم بتمكنه منها فصدق عليه أنه على ظاهر الاجتناب إذ هو لا يصدق حقيقة إلا بعد التمكن من فعل المجتنب ونحو عبارة هؤلاء عبارة الإسكافي المتقدمة وغيرها مما هو ظاهر في اعتبار المعاشرة الباطنية كما في النصوص المتقدمة وحينئذ فلا منافاة بين القول بحسن الظاهر بهذا المعنى مع القول بالملكة فإن القائلين بها لم يذكروا في معرفتها زيادة على المعاشرة الباطنية حيث قالوا لا بد من الخبرة الباطنية والمعرفة المتقاومة وحينئذ فلا نزاع بين من لا يعتبر ظاهر الإسلام في اشتراط المخالطة الباطنية في المعرفة بالعدالة نعم ربما يستفاد من جمع وجود قول بالاكتفاء بحسن الظاهر فإن أريد به ما مر من حسن الظاهر بعد الاختبار بالخبرة الباطنة فلا منازعة وإن أريد به حسن الظاهر بدونه بل حسنه من حيث عدم رؤية خلل منه مع عدم العلم بتمكنه منه وعدمه فلا دليل عليه مع قيام الأدلة فتوى ورواية كما عرفته على خلافه مع أن حسن الظاهر بهذا المعنى لا يكاد يظهر فرق بينه وبين ظاهر الإسلام وحسن الظاهر بالمعنى الذي ذكرناه لا يكاد ينفك عن الملكة إذ مع عدمها يبعد غاية البعد أن لا يظهر منه خلل أصلا لأحد ممن يختبره باطنا كما لا يخفى ولعله لذا لم ينقلوا في تعريف العدالة بالملكة خلافا [ الثالثة في سماع الشهادة ] الثالثة يسمع [ تسمع شهادة التعديل مطلقا [ مطلقة من غير أن يبين سببه ولا يسمع [ تسمع شهادة الجرح إلا مفصلة مبينة للسبب في المشهور بين الأصحاب على الظاهر المصرح به في المسالك وغيره استنادا في الأول إلى أن العدالة تحصل بالتحرز عن أسباب الفسق وهي كثيرة يعسر ضبطها وعدها وفي الثاني إلى أن الجارح قد يبني الجرح على ظن خطأ وأن المذاهب فيما يوجب الفسق مختلفة فلا بد من البيان ليعمل القاضي باجتهاده ويشكل بأن الاختلاف في أسباب الفسق يقتضي الاختلاف في أسباب العدالة فإن الاختلاف مثلا في عدد الكبائر كما يوجب في بعضها ترتب الفسق على فعله يوجب في بعض آخر عدم قدحه في العدالة بدون الإصرار عليه فيزكيه المزكي مع علمه بفعل ما لا يقدح عنده فيها وهو قادح عند الحاكم ومن ثم ذهب الإسكافي إلى وجوب التفصيل فيهما وهو حسن حيث لا يعلم موافقة مذهب المزكي للحاكم في أسباب الجرح والتعديل وأما لو علم بأن كان مقلدا له أو مجتهدا وافق مذهبه فالأجود حينئذ عدم وجوب التفصيل مطلقا ومن هنا ظهر ضعف القول بعدم وجوبه والاكتفاء بالإطلاق مطلقا أيضا وللفاضل قول بوجوب التفضيل في التعديل دون الجرح عكس المشهور وآخر بالتفصيل بين علم المزكي والجارح بأسبابهما فالإطلاق مطلقا وجهلهما بهما فالتفصيل كذلك وضعفهما قد ظهر مما مضى وحيث اكتفى في العدالة بالإطلاق مطلقا كما هو المشهور أو على تفصيل قدمناه ففي القدر المعتبر من العبارة عنه أوجه بل وأقوال ثالثها اعتبار ضم أحد الأمرين من قوله لي وعلي أو مقبول الشهادة إلى قوله هو عدل حكاه في المسالك عن أكثر المتأخرين وعن الإسكافي ضم الأول خاصة وعن المبسوط الاكتفاء بقوله هو عدل من دون اعتبار ضم شيء مطلقا ولعله أقوى وإن كان المصير إلى ما عليه الإسكافي